الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

284

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

المشركين فيقول لهم هذا الكلام ، بقرينة قوله أما تشركون بصيغة الخطاب في قراءة الجمهور ، ولأن المناسب للاستفهام أن يكون موجها إلى الذين أشركوا باللّه ما لا يخلق ولا يرزق ولا يفيض النعم ولا يستجيب الدعاء ، فليس هذا لقصد إثبات التوحيد للمسلمين . والاستفهام مستعمل في الإلجاء وإلزام المخاطب بالإقرار بالحق وتنبيهه على خطئه . وهذا دليل إجمالي يقصد به ابتداء النظر في التحقيق بالإلهية والعبادة . فهذا من قبيل ما قال الباقلاني وإمام الحرمين وابن فورك إن أول الواجبات أول النظر أو القصد إلى النظر ثم تأتي بعده الأدلة التفصيلية ، وقد ناسب إجماله أنه دليل جامع لما يأتي من التفاصيل فلذلك جيء فيه بالاسم الجامع لمعاني الصفات كلها ، وهو اسم الجلالة . فقيل : آللَّهُ خَيْرٌ . وجيء فيما بعد بالاسم الموصول لما في صلاته من الصفات . وجاء خَيْرٌ بصيغة التفضيل لقصد مجاراة معتقدهم أن أصنامهم شركاء اللّه في الإلهية بحيث كان لهم حظ وافر من الخير في زعمهم ، فعبّر ب خَيْرٌ لإيهام أن المقام لإظهار رجحان إلهية اللّه تعالى على أصنامهم استدراجا لهم في التنبيه على الخطأ مع التهكم بهم إذ آثروا عبادة الأصنام على عبادة اللّه . والعاقل لا يؤثر شيئا على شيء إلا لداع يدعو إلى إيثاره ، ففي هذا الاستفهام عن الأفضل في الخير تنبيه لهم على الخطأ المفرط والجهل المورط لتنفتح بصائرهم إلى الحق إن أرادوا اهتداء . والمعنى : أاللّه الحقيق بالإلهية أم ما تشركونهم معه . والاستفهام على حقيقته بقرينة وجود أم المعادلة للهمزة فإن التهكم يبنى على الاستعمال الحقيقي . وهذا الكلام كالمقدمة للأدلة الآتية جميعها على هذا الدليل الإجمالي كما ستعلمه . . وقرأ الجمهور تشركون بتاء الخطاب . وقرأه أبو عمرو وعاصم ويعقوب بياء الغيبة فيكون القول الذي أمر به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم محكيا بالمعنى روعي فيه غيبة المشركين في مقام الخطاب بالأمر . وما موصولة والعائد محذوف . والتقدير : ما يشركونها إياه ، أي أصنامكم . [ 60 ]